اسماعيل بن محمد القونوي
15
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وقت حصوله ولذا جعل بعضهم الهمزة للحينونة وأنت خبير بأن النسبة أي نسبة الشيء إلى ما اشتق منه الفعل منتظمة سواء كان ذلك الشيء فاعلا أو مفعولا فالمعنى وأنزلنا من المعصرات من السحائب ذات إعصار بمعنى قرب إعصار كقوله تعالى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] أي ذات رضاء أن المعيشة مرضية . قوله : ( ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ) أي دنت أن تعصر طبيعتها رحمها فتحيض فالجارية وإن كانت فاعلة لأعصرت لكنها ليست عاصرة ولا معصرة بل معصور رحمها وإنما تصله عما قبله لأن ما جعل فاعلا هنا ليس بفاعل حقيقة كما عرفته من أن الفاعل هو طبيعة الجارية فيكون مغايرا لما قبله وأيضا الفاعل أي الطبيعة عاصرة لا معصورة بخلاف ما نحن فيه . قوله : ( أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب ) عطف على السحائب فتكون همزة الأفعال للصيرورة كما اختاره ابن الحاجب أو للحينونة عند بعضهم والفرق أن المعنى هنا وأنزلنا من الرياح ذوات الإعصار على أنها عاصرة ومعصرة لا معصورة بخلاف السحائب فإنها معصورة كما مر وقد ثبت ما ذكرناه من أن صيغة النسبة منتظمة سواء كان ذلك الشيء فاعلا أو مفعولا . قوله : ( أو الرياح ذوات الأعاصير ) قيل فبناء افعل للنسبة يتبادر منه أن افعل في الاحتمالين الأولين ليس للنسبة وقد عرفت ما نقلناه من المحقق الجاربردي من أن الصيرورة كون الشيء منسوبا إلى ما اشتق منه الفعل والفرق أن في هذا الاحتمال المعصرات كلابن وتأمر وما سبق كون الشيء منسوب إلى ما اشتق منه الفعل كما مر مرارا والأعاصير جمع الإعصار وهي الريح التي تستدير في الأرض مع الشدة وترفع الغبار كالأعمدة ونسبة الإنزال إلى المعصرات حينئذ من قبيل قتل بنو فلان إذا كان القاتل واحدا منهم ولا بد من التجريد لما عرفت من أن الإعصار نفس الريح الشديدة وفي التفسير الكبير نقلا عن المازني أنه يجوز أن يكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فإن السحاب إذا عصرتها الأعاصير لا بد وأن ينزل المطر فيها والمراد فيها والمراد بكونه من هذا الباب نسبة ما للبعض للكل لتعدده وكثرته هنا ومن هذا علم ترجيح قول المازني كذا قيل والمص لم يتعرض لكون المراد من المعصرات السماوات كما روي عن قتادة بناء على أن المطر ينزل من السماء للسحاب لأن كون السماوات معصرات يحتاج إلى التأويل وفي الكشاف فكأن السماوات يعصرن أي يحملن على العصر ويمكن منه ولا كلام في أن الماء ينزل من السماوات إلى السحاب عند أهل الشرع قال تعالى : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [ البقرة : 22 ] الآية قال المص أو الفلك فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دل عليه الظواهر . قوله : أو الرياح ذوات الأعاصير قال الجوهري الإعصار ريح تثير الغبار ويرتفع في السماء كأنه عمود ويقال هي ريح تثير سحابا ذات رعد وبرق ويعصر .